jeudi 10 janvier 2008

مطلب ترسيم الأمازيغية بين المرجعية الدولية لحقوق الإنسان وتجارب الشعوب

محمد الزياني نص المداخلة التي ساهم بها صاحبها في إطار فعاليات ندوة ا للجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتاريخ 20/10/2007 بهرهورة/ الرباط. التي أطرها كل من ذ. أحمد أرحموش ، ذ . عبد السلام خلفي ، ذ . اليزيد البركة وذ . محمد الزياني وهي الندوة التي أقرت على ضوئها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مطلب ترسيم الأمازيغية في دستور ديمقراطي 1. استهلال تاريخي ليس ضروريا التذكير بالمعطى التاريخي الذي يجسده أصالة الشعب الأمازيغي بشمال إفريقيا وارتباطه بهذه الأرض والمجال منذ آلاف السنين ، وهو ما تؤكده مختلف الكتابات لكبار المؤرخين والباحثين حتى الرسميين منهم ...فقد عرفت هذه المنطقة كغيرها حضارة متميزة قائمة على إنتاج وإسهامات ذويها من الأمازيغ الذين أبدعوا في مختلف المجالات المعرفية والعلمية بلسانهم كما بمختلف لغات الأجناس و الحضارات التي احتكوا بها سلبا أو إيجابا كالفنيقيين والبيزنطيين والرومان والقرطاجنيين واليونايين حتى... وصولا إلى الفتح/الغزو العربي الإسلامي ثم الاستعمار الأروبي بعد ذلك... بالرغم من كل ما رافق ذلك من تهميش وإقصاء وصلت حد الإبادة في أحيان كثيرة ، إلا أن الأمازيغيين صمدوا في وجه هذه الأعاصير كلها محافظين على خصوصيتهم وهويتهم بفضل مقومات شتى أساسها اللغة الأمازيغية التي استمر تداولها على نطاق واسع في موطنها ثامازغا ..ناهيك عما راكمه هذا الشعب من إنتاج فكري وعلمي ميز الحضارة الأمازيغية عبر تاريخها الطويل ...ونتيجة لهذا الارتباط" أصبح ذهن شعوب العالم يستحضر مباشرة الشعب الأمازيغي عند ذكر شمال إفريبقيا- تمازغا أو أرض شمال إفريقيا عند ذكر الشعب الأمازيغي(1)..يقول الأستاذ عبد السلام بن ميس في هذا الصدد :" يعتقد أغلب مؤرخي الأفكار العرب بأن شمال إفريقيا كانت منطقة جرداء قبل غزو العرب والمسلمين لها ، فلم يكن ، في نظرهم ، عند الأمازيغ قبل مجيء الإسلام أي شكل من أشكال الإنتاج الأدبي أو العلمي أو الفني ، وهذا طبعا خطا أو على الأصح تاكتيك إيديولوجي يهدف إلى محو هوية السكان الـمحليين والتنقيص من قدرتاهم العقلية على الإنتاج الفكري مع الإعلاء من شأن العرب الوافدين "(2) وإن كانت ضرورة البحث والكشف عن قيمة موضوع الأمازيغية يستدعي من الباحثين استحضار مختلف المستويات المعرفية والشروط التاريخة العامة التي أحاطت بهذه القضية عبر السنين ، إلا أن حصر المداخلة في العنوان أعلاه ، يملي علينا الالتزام ما أمكن ، بالبعد الحقوقي مع إطلالات خاطفة على باقي المستويات التي قد تعضد وتكرس شرعية مطلب ترسيم الأمازيغية سواء لدى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أو لدى الحركة الأمازيغية وعموم الديمقراطيين بالمغرب 2. المرتكز الحقوقي وهذا المدخل يتأسس أصلا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والاتفاقيتين الدوليتين بشأن الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعد موافقة الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1966 كما يعتمد على" دراسة حول حقوق الأشخاص المنتمين للمجموعات الإثنية والدينية واللغوية " أنجزتها اللجنة الفرعية الخاصة بالنضال ضد الإجراءات العنصرية وحماية الأقليات التابعة للأمم المتحدة سنة 1979 فانطلاقا من المبدأ العام المتضمن في الفصل 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية القار ب "لا يجوز في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم" كماأن البند2 من المادة الثانية للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينص على أنه " تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بأن تضمن جعل ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذا العهد بريئة من أي تمييز بسبب العرق ، أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب".. ومن الملاحظ أن المواد السالفة تلح على إيلاء كل الحقوق لذويها الأصليين بالرغم من الحجم العددي كأقلية في الدول التي تحتضنهم ، وما بالك بالنسبة للدول التي تحتضن أغلبية مقموعة الهوية كما هو الشأن بالنسبة للشعب الأمازيغي على امتداد بلدان تمازغا( شمال إفريقيا) خصوصا بالمغرب الذي يشكل فيه الأمازيغ أغلبية سكانه ...مما يقلل من أهمية استحضار مثل هذه البنود ، على أهميتها ، لعدم انطباقها كليا على حالة أمازيع المغرب الذين يندرجون بقوة الأشياء ضمن ما تنص عليه البروتوكولات والاتفاقيات المتفرعة عن الإعلان العالمي للشعوب الأصلية ... وهي الصفة التي لم تخرج عنها التقارير الحكومية نفسها بإقرارها رسميا أن الأمازيغ هم سكان المغرب الأولون ،فحسب دراسة " ألفونسو مارتنيس "ـ التي اعتمدها ذ.حسن إذبلقاسم في تحديده للشعوب الأصلية ـ فهي عموما "شعوب عريقة في التاريخ لها ثقافات ولغات وحضارات مختلفة عن اللغة والثقافة المهيمنة الوافدة من الخارج عبر الاستعمار أو الاستيطان أو الهجرات... " (3) أي ، هي التي(الشعوب الأصلية) تعتبر نفسها متميزة عن القطاعات الأخرى من المجتمعات السائدة الآن في تلك الأراضي أو في أجزاء منها وهي تشكل في الوقت الحاضر قطاعات غير مهيمنة في المجتمع والسلطة، وقد عقدت العزم على الحفاظ على أراضي أجدادها وهويتها الإثنية وعلى تنميتها وتوريثها للأجيال القادمة وذلك باعتبارها أساس وجودها المستمر كشعوب وفقا لأنماطها الثقافية ومؤسساتها الاجتماعية ونظمها الثقافية الخاصة بها...فقد حرمت هذه الشعوب، التي هي أمازيغية بشمال إفريقيا ، من التمتع بحقوقها الهوياتية وبكل ما يندرج ضمن مفهوم ثقافتها الخاصة ، ناهيك عن حق مشاركتها في السلطة . من هنا فإن هيئة الأمم المتحدة " اعتمدت معيار التعريف الذاتي الذي تعبر عنه تلك الشعوب من خلال منظمات أو جمعيات أو جماعات "..(4) ونحن في إطار فعاليات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ،يجدر بنا التذكير بأن فضل طرح المذكرة حول الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية كان لمجموعة من الجمعيات المغربية النشيطة في المجال التي قدمتها في إطار المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بفيينا سنة 1993 والتي أشارت فيها إلى أن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا...ومذاك ظل النقاش من قبل هذه الفعاليات والمنظمات منصبا على حقوق الشعوب الأصلية وهو ما أفضى إلى " إنشاء المنتدى الدائم للشعوب الأصلية داخل نظام الأمم المتحدة سنة 2000 بقرار من المجلس الاقتصادي والاجتماعي تحت رقم 22/2000 كما تم اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلية في يونيو 2006 في أول دورة لمجلس حقوق الإنسان الذي حل محل لجنة حقوق الإنسان"..(5) فانطلاق النضال في إطار الشعوب الأصلية إذن ...لم يستهدف خلق الهوة بينها وبين سواها من الشعوب والمجموعات التي تتقاسم وإياها المجال الواحد ، بقدر مايروم تنبيه الحكومات والدول التي تحتضنها مجتمعة الى ضرورة إعمال مبدأ المساواة وعدم التمييز فيما بينها لا من حيث الجنس أو اللغة والدين وأن تكف عن سياستها الاحتوائية والاستعابية لهويتها الأصلية عملا بما تنص عليه هاتين المادتين1و2 من الإعلان العالمي بشأن حقوق الشعوب الأصلية: 1. للشعوب الأصلية الحق في التمتع الكامل ، جماعات وأفراد ، بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان 2. الشعوب الأصلية وأفرادها أحرار ومتساوون مع سائر الأفراد والشعوب ، ولهم الحق في أن يتحرروا من أي نوع من انواع التمييز استنادا إلى منشئهم الأصلي أو هويتهم الأصلية وغيرها من المواد ذات نفس المنحى 3.المدخل العلمي/ الأكاديمي: سبق وأن اكدنا على أن الموقع الجغرافي واللغة هما من المقومات الأساسية لقيام هوية الشعوب...لاسيما هذه الأخيرة " التي تمنح(الشعب) خصوصيته وتشكل بطاقة هويته وتصبح وسيلته للمعرفة والانفتاح على العالم"(6) لذلك فتناول مشكليّة االهوية (على حد تعبير برهان غليون)بالنسبة للمغرب، لا ينأى عن استحضار أهمية تلك المقومات التي تميز هوية الأمازيغ عندنا باعتبارها هوية أصيلة تعكس ارتباط الإنسان الأمازيغي بواقعه التاريخي والجغرافي لشمال إفريقيا (تمازغا) دون أن يعني ذلك نفي تفاعل هذه الهوية مع المد الهوياتي الآخر /الدخيل الذي اجتاح المنطقة عبر مراحل تاريخية منه المد العربي الوافد مع حملات الفتح/ الغزو الإسلامي للبلاد الأمازيغية ...دون أن يؤثر بالشكل العميق على أهم مرتكزات هوية هذه الأخيرة التي هي وحدة اللغة الأمازيغية، بالرغم مما قد يتبدى للمرء من فروقات صوتية ومعجمية بفعل عوامل تاريخية سياسية أثرت سلبا عن التواصل فيما بين إمازيغن ، ترتب عن ذلك اختلاف طفيف لم يمس بجوهر اللغة الواحدة ، فعلى المستوى" اللهجي"(اللغوي) التي يقارب عددها على امتداد ثمازغا 11 ـ حسب بعض المختصين ـ توحدها القاعدة اللغوية المشتركة ، فهي مكونات لغوية ذات بناء نحوي خاص بها ، يعزز البنية اللغوية الموحدة على المستوى الصوتي والصرفي والتركيبي..، فلا غرابة في ذلك مادام أن كل اللغات هي عصارة ومزج بين مكونات لغوية لعدد من المجموعات البشرية ، ومنها اللغة العربية الفصحى التي ليست هي لغة قريش وإنما خليط لغات لعدد من قبائل عربية كانت تنفرد كل منها بلغتها الخاصة ...وهو ما ينطبق على الأمازيغية وغيرها من اللغات الحية ، فهي لغة قائمة الذات متوفرة على كل المقومات والمواصفات التي حددها كبار اللغويين واللسنيين كأدريه باسيه ، و Stewart والتي نجد منها : · التاريخية Historicité باعتبارها مصنفة ضمن أقدم اللغات التي حافظت على نسقها ووعائها التداولي · الاستقلالية L’Autonomie باعتبارها مستقلة عن باقي اللغات الحامية السامية · الحيوية: vitalité باعتبارها لغة الأم لغالبية الشعب المغربي الذي يتداولها يوميا في السوق اللغوي /الرمزي · المعيارية / التقعيد Standarisation فإن كانت الأمازيغية خاضعة لجل هذه المقومات السالفة الذكر إلا أنها ظلت مستلبة لحقها في المعيرة/ التقعيد لارتباط ذلك بالقرار السياسي ، وبطبيعة التوجه التربوي والثقافي واللغوي للسياسة التعليمية الر سمية نعم الأمازيغية لغة وليست لهجة ، فكيرون من الباحثين اللسنيين يرفضون التقابل والتضاد بين المستويين ومنهم فقيد الحركة الأمازيغية والبحث العلمي بالمغرب الدكتور قاضي قدور الذي اعتبر هذا الفرق مغالطة كبرى موضحا ذلك اعتمادا على دراسة الباحث التقدمي المعروف لويس جون كاليفي: في" علاقة اللغة بالمجتمع " إن اللهجة لغة قمعت سياسيا ، واللغة فرضت كلغة سياسيا..." مما يستوجب معه حسب قاضي " قلب مقولة هذه ( لغة= إيجابية) وتلك (لهجة = سلبية) بمقولة هذه لغة مفروضة وتلك لغة مقموعة " فالتفريق إذن مفروض على اللغة من الخارج وليس له وجود شرعي في ذات اللغة، إنه تفريق مفروض بتدخل العامل السياسي الذي هو بدوره استجابة للواقع الاقتصادي ، وانطلاقا من هذه الوضعية ، يضيف قاضي استنادا إلى مقولة بارث" إن اللغة والثقافة المسيطرة تفرض مجتمعا بدون هوية" .(7) فاللغة الرسمية تعني اللغة التي تفرضها الطبقة الحاكمة ، وقد لاتكون هذه اللغة وطنية أصلا كما هو الحال بالمغرب الذي يتداول سكانه (الأمازيغة والدارجة) في حين اللغة الرسمية هي العربية الوافدة مع دخول الإسلام وما تبعه من استقدام أطر مشارقة بعيد 1956 للتدريس بأهم الثانويات والجامعات في إطار ترسيخ مبدأ التعريب ضمن المبادئ الأربعة التي فرضتها الحركة الوطنية...دون التغاضي عن اللغة الفرنسية التي كرس وجودها الاستعمار وظلت واقعيا لغة رسمية ثانية إلى جانب العربية مهيمنتان على المستوى الإداري والمعاملات الرسمية للدولة ومؤسساتها ، وهو ما يذهب إليه الأستاذ مصطفى أكرد فيما سماه ب:(الأكذوبة التاسعة): " ألا يرى المعادون للثنائية اللغوية أن المغرب حاليا يعيش ثنائية لغوية في الواقع رغم أنه لايعتمدها في الدستور؟ فالمغرب يستعمل لغتين في جل الوثائق الإدارية وهما العربية والفرنسية ..." (8) 4..ترسيم الأمازيغية على ضوء تجارب بعض الشعوب: إن الاعتراف الرسمي بالتعدد اللغوي في بعض البلدان يعتبر الوجه الساطع الذي يعكس المستوى الديمقرطي الذي وصلته هذه الأخيرة في باقي المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، فسويسرا بقلة عدد سكانها ، يقر دستورها ب4 لغات رسمية في البلاد ، والأمر سيان ببلجيكا حيث الاعتراف بلغتين رسميتين ...ناهيك عن الهند ب 18 لغة رسمية وغيرها ... والنموذج الأقرب إلينا هي إسبانيا التي يقر دستورها المعدل لسنة 1978 بترسيم لغات مناطق كطالونيا والباسكية والغاليسية ناهيك عن القشتالية المعهودة ...إنها السياسة اللغوية المنفتحة التي انطلقت وعززت المسار الديمقراطي بهذا البلد الذي كان إلى عهد قريب نموذجا للأنظمة الديكتاتورية في العالم 5..ترسيم الأمازيغية والوحدة الوطنية : هناك من المعارضين لدسترة الأمازيعية لغة رسمية ببلادنا من يعتريه الخوف عن دولته الوطنية المركزية وانشطار عمقها القومي الوحدوي ، علما أن تجارب الأمم بينت العكس تماما بحيث غالبا ما يقاس تماسك وحدتها بحجم الديمقراطية التي ينتظم في إطارها المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي العام في تفاعل يغني هذه الوحدة ويعززها ما دام قائما على مبدأ تكافؤ الفرص بين كل مكونات البلد الواحد مهما تعددت واختلفت ، فالوحدة الحقيقية هي ضمان حرية التعبير والوجود لكل الهويات وضمان حقها في الإفصاح عن الهموم المشتركة والأهداف الكبرى التي يسعى إلى تحقيقها البلد الواحد في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور الاجتماعي دون أن تكون وحدة وهمية/ أسطورية مؤسسة على إلغاء باقي الهويات أو تذويبها في أحسن الأحوال في هوية واحدة كليانية مهيمنة تستمد شرعيتها من السلطة السياسية القائمة وجبروتها وقد يتخذ هؤلاء المعارضين لأنفسهم مواقع متنوعة ومتباينة في إطار أحزابهم السياسية تارة أو بصفتهم" النخبوية المتنورة" في التشكية الثقافية السائدة ، ومع ذلك تظل مواقفهم متقاطعة عند المرامي الاستراتيجية بالرغم من تباين مقارباتهم التكتيكية ونشير على سبيل الذكر لنماذج من هذا الصنف : ـ فهذا محمد عابد الجابري الذي دعا مبكرا إلى إبادة ماأسماه ب"اللهجات البربرية" التي هي ، حسبه ،علامة الجهل والتخلف، درءا لكل مساس باللغة العربية العالمة العقلانية .. "إن عملية التعريب الشاملة، يجب أن تستهدف ليس فقط تصفية اللغة الفرنسية كلغة حضارة وثقافة وتخاطب وتعامل، بل أيضا- وهذا من الأهمية بمكان – العمل على إماتة اللهجات المحلية البربرية." (9) ـ محمد جسوس ينطلق من مسلمة أساسية مفادها أن لنا لغتان وطنيتان (الدارجة المغربية والأمازيغية) ولغة رسمية واحدة هي العربية، محاولا تمرير موقفه السياسي/الإديولوجي بدهاء سوسيولوجي، باعتباره هاتين اللغتين الوطنيتين هما اللتان يتجسد تداولهما في الوسط الشعبي بين العمال والفلاحين والحرفيين والطبقات الشعبية بكل فئاتها ، وهو إن كان يدعو إلى تطوير هما فلا يفعل إلا ليؤكد على ترسيم اللغة العربية الفصحى التي يبوؤهامرتبة الفارس الحكيم الضابط والموجه لحصانيْ العربة (الأمازيغية والدارجة ) بحيث يقول : " إن كانت اللغة الرسمية للمغرب هي العربية ـ ويجب أن تكون هي اللغة العربية ـ فذلك لأن المغاربة لا يريدون غيرها لغة رسمية (...) و أن اختيارنا للتعريب اختيار استراتيجي لا رجعة فيه ، وأن النقاش فيما يخص التعريب لا يجب أن يخص ،من الآن فصاعدا، إلا الإجراءات والتدابير العملية والشروط الضرورية التي يجب أن نأخذها في اعتبارنا لاستكمال تعريب المجتمع المغربي بكل فئاته " (10) وهو بهذا لا ينأى عن طرح عباس الفاسي في اعتباره تداول الأمازيغية شأن اختياري لمن رغب في استعمالها سواء في التعليم أو في القضاء أو الإعلام وفي الإدارة...الشيء الذي يعاكس مطلب إجبارية إقرار الأمازيغية في كل هذه الدواليب والمرافق الحياتية ولجميع المغاربة ـ حزب الاستقلال على لسان أمينه العام السالف الذكر ، يقر الكفاح بكل ما أوتي من قوة حتى لا تصبح الأمازيغية لغة رسمية بالدستور ، و أن هذا الحزب سبق له أن ناهض مطلب تعميم تدريس الأمازيغية إجباريا لكل المغاربة وشدد على أنه في حالة ما أضحى هذا التدريس أمرا واقعا ، فلجهات المملكة حرية التصرف في اختيارها وفق حاجيات ورغبة ساكنتها ...غيرأنه أمام إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وتأكيدا لتملقه المعتاد لكل أنواع هذه المبادرات الرسمية، لم يجد هذا الحزب بدا من التململ لتهذيب موقفه الإقصائي العدائي إزاء الأمازيغية وراح يعزف على وترة من لا يمانع في أن تصبح الأمازيغية لغة وطنية بالدسور ـ من جهتهم ، فالإسلاميون عندنا يناهضون مطلب ترسيم الأمازيغية وتبوئها لمكانتها اللائقة في النسيج المجتمعي العام ، باعتبار ذلك يمس بقدسية اللغة العربية التي " أنزل بها القرآن " ناسين أو متناسين أن ما يعتبر مقدسا هو مضمون الكتاب وليس الأداة اللغوية التي كتب بها ، ولوكان الأمر كما يعتقدون، فلماذا لم يغمر نظرتهم الحقد والضغينة لمسلمي آسيا بلغاتهم المنتعددة التي قرأوا بها الكتاب المقدس وشيدوا بها صرح الإسلام وعمقوه في وجدان الأغلبية العظمى من هذه الشعوب ...؟ ! ـ هناك صنف آخرممن يمكن إدراجهم ضمن المهووسين بنظرية المؤامرة ، أمثال عبد الحيمد العوني الذي أفرد كراسا بعنوان" تسييس الأمازيغية ، المؤامرة الصامتة ضد العرش المغربي"كله تأويل لنضال الحركة الأمازيغية وعموم الديمقراطيين مع ربط هذه الصحوة المشهودة للقضية الأمازيغية بأجهزة المخابرات الخارجية كالبنتاغون الأمريكي ..وغيره !! فيكفي التمعن في عنوان (الكتاب) وغيره من الفقرات المفهرسة مثل : "تسييس الأمازيغية أول خطر على العرش ؟ !" و"كيف يتحالف الأمازيغيون والأمريكيون لتغيير النظام ؟"(11) لتنجلي المرامي العدائية لمثل هؤلاء الصحفيين المنسجمين مع الخط التحريري لأسبوعية "ا لأسبوع الصحفي" ذات الباع الطويل في التشكيك في مصداقية القضية و النضال الأمازيغيين ـ علال الأزهر : الذي لم يتخلص بعد من سكرات عشق بناء الصرح القومي العربي بوطننا، في كتيب سابق له "المسألة القومية و النزعة الأمازيغية وبناء المغربي العربي" نجده لا يقر للأمازيغية ولو بصفة اللغة الوطنية وأحرى دسترتها كلغة رسمية ، مبررا ذلك بعدم وجود أقليات قومية بالمغرب " بل عرب وبربر تعربوا ، وأغلبية السكان في الوقت الحالي يتكلمون العربية الدارجة، ومن هنا يبدو أن مقترح العمل على رفع اللغة الأمازيغية تدريجيا إلى مستوى لغة وطنية مجرد نفخ مفتعل "(12) نسرد مثل هذه النماذج ، دون ان ننكر عن بعض أطراف اليسار الجذري خصوصا،حاجتهم إلى استكمال صورتهم عما تعرفه الأمازيغية من تطورات على الواجهتين : المطلبية والنضالية الميدانية ..فجل هذه الأطراف بطروحاتها المتقدمة في تحديد عناصر الصراع الذي يشمل المستويين الطبقي والإثني /الهوياتي وتسلحها بأدوات التحليل التاريخي في مقارباتهم لموضوع الأمازيغية، ومن هذه الأطراف من سبق أن طرح بجرأة نضالية(قياسا لزمنها) حق تمتع المناطق الأمازيغية باستقلال ذاتي * كأفق نضالي استراتيجي للصراع الذي اتخذ صيغة انتفاضات شعبية اجتاحت مغرب العقود الأخيرة من القرن الماضي ..مقابل يسارمماثل ظلت ولا تزال لديه الأمازيغية أمرا أو"مسألة" مؤجلة إلى غاية إتمام مشروع بناء الدولة الوطنية المركزية وبهذا الصدد يقول عبد الصمد بلكبير: " أن هذا الخطاب (يقصد الأمازيغي) المستورد في أغلب عناصره ، لا يفهم ولا يعي بأن الحقوق الثقافية للجماعات لا تجوز لها بحال من الحوال أن تكون متعارضة أو بالأحرى على حساب الحقوق الوطنية والسياسيةو للأمم والدول الفتية . ذلك لأن الحق في الاختلاف والتعدد أو حتى التنوع ، يأتي عادة بعد تحقيق الحق في الوحدة والاستقلال والسيادة ، وكل هذه لا تكون بغير سيادة اللغة الوطنية( ...)و الدفاع عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين اليوم، لا يكون ولا يتم حقا، بغير الدفاع أولا وقبل كل شيء عن سيادة اللغة الوطنية القومية(يقصد العربية طبعا)، وإلا سقط موضوعيا وبغض النظر عن النوايا والمقاصد في الدفاع عن الوضع الراهن ، بل وتعميق أزمته أو أزماته... (13) فمطروح على الصف الديمقراطي الجذري إذن ، بلورة تصوراته بشكل أعمق إزاء تمفصل المستويين الطبقي والهوياتي لإنجاز مهامه المرحلية والإستراتيجية بشكل متوازي وأن يضبط التفاعل إيجابيا بينهما سيما وان الخطاب الهوياتي خطاب منفتح قد لا يخضع لطلاسيم الأديلوجية الحزبية المنغلقة ..وأنه يتجاوز التعاطي التاكتيكي مع الأمازيغية /المسألة إلى الأمازيغية (الإنسان بثقافته ولغته وحضارته ومجاله البيئي : الأرض وثرواتها الغابوية والمعدنية والمائية المرتبطة بعضها ببعض ضمن مفهوم شامل و عام هو ثموزغا ، مما يعني إحداث ثورة داخلية في مختلف هذه الإطارات الحزبية لخلق وتعزيز جبهات النضال التي قد تغتني بباقي الروافد المدنية الملتحمة حول ذات المطالب والأهداف المشتركة..وتبقى الإطارات الحقوقية بحكم طبيعة اشتغالها بهذا المجال الحقوقي في بعده الشمولي والكوني أهم الروافد لتعزيز وتمتين لحمة النضال الديمقراطي الجذري ضمن هذه الجبهة الموحدة من أجل دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا وصياغة..ضامنا للأمازيغية حقوقها التاريخية والسياسية والهوياتية 6.. ضرورة ترسيم الأمازيغية كمخرج حقوقي ديمقراطي : وعلى ضوء ما سبق ، نقر مع العديد من الناشطين في المجال، بأن ترسيم الأمازيغية هي الضمانة التشريعية والقانونية والسياسية للاعتراف بامازيغية المغرب أولا..ومنها إلى الحماية القانونية التي يجعلها عنصرا مدمجا في الخطط الوطنية ويخلصها من غياهب الطابو التي اودعتها فيها كثير من التنظيمات السياسية عندنا ذات النزوع القومي العروبي الصرف... ..ومن دون هذه الضمانة ، على الأقل، تظل كل المبادرات الرسمية الحالية ومنها إنشاء المؤسسة الاستشارية (المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ) وتوابعها التي املاها واقع موضوعي تميز بالمد النضالي للحركة الأمازيغية المغربية بتزامن مع غليان عروش القبائل الجرائرية واقتراب التحول النوعي في الصيغ النضالية الاحتجاجية ـ توادا ـ ...) قلت ، تظل تلك المبادرات الرسمية مجرد رتوشات شكلية وصورية وتكتيكية لمحاصرة المد النضالي المذكور واحتواء بعض من آثر الانغراس ضمن "النخبة المولوية "على حساب مصداقية نضال وتضحيات الحركة الأمازيغية وعموم الديمقراطيين ببلادنا ...في حين نرى مع ع الهادي بوطالب أن " الدور الذي تضطلع به الدولة لبقاء اللغة هو اختيارها لغة رسمية...إذ لا تنحصر مسؤولية الدولة في تطوير اللغة أو اللغات الرسمية ، بل تمتد لتشمل العمل على تطوير اللغات المتكلم بها على ترابها لكي تتوفر على شروط البقاء ، فهي جميعا تشكل جزءا لا يتجزأ من التراث الثقافي الوطني "(14) لقد أدى تعنت موقف الحكومات المتعاقبة إزاء الأمازيغية عموما عن تصعيد وتيرة النضال الأمازيغي والحركة الديمقراطية ببلادنا إلى حد تدويل مطالبها ومنها (مطلب ترسيم الأمازيغية) ليصبح من بين أهم توصيات أشغال الدورة 36 للجنة الدولية الخاصة بالحقوق الإقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للمحافظة السامية لحقوق الإنسان التابعة بدورها لهيئة الأمم المتحدة.) التي دعت الدولة المغربية صراحة وبمقرر إلزامي إلى الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية في الدستور وضرورة العمل على إدراج الأمازيغية كلغة فاعلة في مجال محاربة الأمية ، مع تسجيل غياب إحصائيات دقيقة ومدققة حول تعداد الأمازيغيين بالمغرب(...) كما أن التقرير الأممي طالب المغرب بل ألزمه بالتعامل جديا مع مطلب تدريس الأمازيغية لجميع المغاربة .(...).. وهو ما جعل الكثيرين يعتبرون أن الاعتراف الأممي بالحقوق اللغوية الأمازيغية بمثابة صك اتهام للقوى الحقوقية المغربية المقصرة في حق الأمازيغ بالمغرب ، حيث إن بيانات مؤتمراتها ومواقفها لا تتجاوز سقف المطالبة بالحماية القانونية للأمازيغية التي لا تخرج عن التعاطي التكتيكي بعيدا عن كل أفق ديمقراطي بديل لذلك نعود ونكرر بأنه دون الضمانة الدستورية الفعالة يظل مستقبل الأمازيغية متأرجحابين خيارات متصارعة خاضعة لموازين القوى والتوظيف الإيديلوجي الصرف بين الفاعلين السياسيين ببلادنا بمختلف مواقعهم ومواقفهم.كما ان الاعتراف الدستوري بأمازيغية المغرب لغة ثقافة وهوية ليس غاية في ذاته ولا ينبغي أن يظل مطلبا معزولا عن حركية المجتمع بالشكل الذي يترجم حق الشعب المغربي في معانقة هويته كاملة ، مما يستوجب الانخراط الفعلي والميداني لمختلف المؤسسات الجمعوية والحزبية والمدنية الملتفة الآن حول مطلب تغيير الدستور ....لجعل الأمازيغية هما يوميا وقضية استراتيجية في برامجها التعبوية والتنموية الحقيقية ..استنادا إلى جملة من الاقتراحات الأولية المتداولة في الساحة الوطنية، أوصياغة أخرى متممة ، والتي قد تتقاطع عندها معارك الحركة الأمازيغية وعموم هذه التنظيمات الديمقراطية ببلادنا و من هذه المقترحات : · تحديد طبيعة الهوية الوطنية في ديباجة الدستور بالتنصيص صراحة على البعد الأمازيغي لهوية المغرب لغة ثقافة وحضارة متوسطية . مع ما يستتبع ذلك من إقرار لغتها رسميا وبشكل متكافئ مع العربية : في الإعلام والتعليم والإدارة والقضاء والحياة العامة · ترسيم الأمازيغية دستوريا لا تعدو كونها خطوة ستليها خطوات عملية من أجل البناء الذاتي للأمازيغية ، لغة وثقافة وتاريخ ، واستجماع قاموسها ومعيرتها مؤسساتيا طالما أن هذه الحماية الدستورية تعني رفع الحيف عليها وإخراجها من براثين التهميش والإقصاء إلى الشرعية الواقعية والسياسية وعليه ، فاعتماد لغتين رسميتين بالمغرب ـ إضافة لاستجابته للتوصيات الأممية ورفع تحفظاته عن عدة عهود واتفاقيات ـ لاشك أنه سيخفف من حدة الاتهامات التي توجه دوما للموقف الرسمي إزاء مختلف القضايا على الصعيد الدولي خصوصا في مجال حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية ، واستجابة موضوعية لجزء هام من مطالب الحركة الديمقراطية المغربية ـــــــــــــــــــــــــ 1 ـ الصافي علي مومن : الوعي بذاتنا الأمازيغية ص 81 منشورات AMREC سلسلة الدراسات الأمازيغية سمون للطباعة والنشر 1996 2. عبد السلام بن ميس :" مظاهر الفكر العقلاني في الثقافة الأمازيغية القديمة ص4الطبعة 1 سنة 2005 3 ـ حوار مع ذ. حسن إذ بلقاسم نشر على موقع إلكتروني " أشرف أمغناس acraf ameunas " 4 ـ نفسه 5 ـ نفسه 6 ـ الدكتور عبد الهادي بوطالب: الحقوق اللغوية :حق اللغة في الوجود ، البقاء، والتطور، والنماء، والوحدة دار الكتاب ط1 1424- 2003 ص 33. نفسه ص 42 7 ـ الفقيد الدكتور قاضي قدور : حوار مع مجلة الثقافة الجديدة السنة الرابعة ، العدد 14 سنة 1979 من ص 153 إلى ص 159 . 8 ـ مصطفى أكرد : عشرة مزاعم ضد الأمازيغ ـ الأكذوبة التاسعة ـ ص 176 الطبعة الأولى 2007 9 ـ محمد عابد الجابري:أضواء على مشكل التعليم بالمغرب دار النشر المغربية /الدار البيضاء سنة 1985 ص 146 10 ـ محمد كسوس : طروحات حول الثقافة واللغة والتعليم منشورات الأحداث المغربية 2004 ص ص 87-90ـ 11ـ عبد الحميد العوني : الأمازيغية و المؤامرة الصامتة حول العرش المغربي ، منشورات عربية 6 سنة 2005 ص4 وما بعدها. 12 ـ علال الأزهر : المسألة القومية والنزعة الأمازيغية وبناء المغرب العربي دار الخطابي للطباعة والنشرسنة 1984 ص 97 * أنظر مقال " الخصوصيات الإثنثوثقافية بالمغرب " التي نشرت على إثر الانتفاضة الشعبية 1984 وأعيد تبويبها في الفصل السادس من الجزء الثاني لكتاب (مجدي ماجد) :" الصراعات الطبقية ـ بالمغرب ـ منذ الاستقلال " لفرنسية سنة 1987 .منشورات " حوار" روتردام/ هولندا. 13 ـ عبد الصمد بلكبير : جريدة أنوال ، الأححد/الإثنين 20-21/02/1994 ص5 14 ـ الدكتور عبد الهادي بوطالب المرجع المذكور ص42 إضافة لهذه المراجع فقد تم التركيز على : ـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ـ إعلان العالمي الشعوب الأصلية ـ تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

Aucun commentaire: